ما معنى حديث: رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة؟

اختلفوا في تفسير معنى أنَّ الرؤيا الصالحة من أجزاء النبوَّة، فقالوا في ذلك كلامًا كثيرًا؛ ولكنَّ الظاهر أنَّ ثلاثة احتمالات فقط هي الأقرب إلى الصواب:

الأول: أنَّ الرؤيا الصالحة كانت جزءًا من الوحي الإلهي للأنبياء؛ فقد جاء عن أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها): «أولُ ما بدئ به رسولُ اللهِ ﷺ من الوحيِ الرؤيا الصالحةُ في النوم» (متفق عليه)؛ أو كرؤيا إبراهيم (عليه السلام) التي كانت وحيًا، كما في قول الله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِين﴾ (الصافات:102).

الثاني: أنَّ الرؤيا الصالحة جزء من النبوَّة؛ لأنَّ الله يخبر فيها بأمور غيبـيَّـة، فهي نوع من أنواع الوحي الشبيه بوحي الله للأنبياء؛ وإن كانت الرؤيا الصالحة تختلف عن وحي الأنبياء في أمور، من ضمنها أنَّ اليقين في صدقها أو صحَّة تعبيرها غير مؤكَّد، فالظن والاحتمال والخطأ قد يدخل في التعبير، وذلك عكس وحي الأنبياء اليقيني الذي لا شكَّ فيه.

الثالث: هو أنَّ الرؤيا الصالحة تُبشِّر المؤمنين الصالحين بالخير في عاجل أمرهم وآجله، كما كان يفعل الأنبياء مع أقوامهم؛ فالتبشير بالخير هو أحد المهامّ التي أرسل الله الأنبياء للقيام بها، كما جاء في قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء:165).

وفي حديث النبيِّ ﷺ: «إنـه لم يَبقَ من مُبشِّرات النبوَّة إلَّا الرؤيا الصالحة يراها المسلم (وفي رواية: العبد الصالح) أو تُرَى له» (رواه مسلم). كذلك جاء عنه ﷺ: «إنَّ الرسالة والنبوَّة قد انقطعت، فلا رسول بعدي، ولا نبيَّ». قال أنس بن مالك (رضي الله عنه): فشقَّ ذلك على الناس، فقال: «لكن المبشِّرات». فقالوا: يا رسول الله! وما المبشِّرات؟ قال: «رؤيا المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوَّة» (حديث صحيح – رواه الترمذيُّ).

ولا مانع أن تكون كل هذه الاحتمالات صحيحة من وجه؛ لأن لكل واحد منها أساسًا شرعيًّا صحيحًا.

ومما يُذكر أيضًا أنَّ الأحاديث الصحيحة قد اختلفت في عدد أجزاء النبوَّة التي ذُكرت الرؤيا كجزء منها؛ فقد جاء في بعضها عن النبيِّ ﷺ: «الرؤيا الصالحة جزء من ستَّـة وأربعين جزءًا من النبوُّة» (رواه البخاريُّ)، وفي حديث آخر: «ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوَّة» (رواه مسلم)، وفي حديث ثالث: «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوَّة» (رواه مسلم)، وفي حديث رابع: «الرؤيا الصالحة جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوَّة» (صحيح الجامع).

والظاهر أنَّ الاختلاف بين أجزاء النبوَّة من حديث إلى آخر راجع لاختلاف النبوَّات نفسها من نبي إلى آخر؛ وبالتالي، تختلف أجزاؤها من نبي إلى آخر (عليهم جميعًا وعلى نبيـِّنا محمَّد الصلاة والسلام)؛ يقول الله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ (البقرة:253).

أمَّا عن معنى أجزاء النبوَّة نفسها، فلعلَّها تشير إلى ما أنعم الله به على الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام)، وما كرَّمهم، وميَّزهم، وفضَّلهم، واختصَّهم به عن غيرهم من البشر.

وهنا يُثار سؤال، وهو: هل تُعتبر رؤيا غير المسلم – إن صَدقت – جزءًا من أجزاء النبوَّة؟

والجواب: أنَّ هذه مسألة اختُلِف فيها على وجهين:

الأول: إذا نظرنا إلى شرف الرؤيا الصادقة في ذاتها، وكونها من الله، وكونها تخبر بأمور غيبيـَّة، فهي إِذَن جزء من أجزاء النبوَّة بصرف النظر عن فساد رائيها، فكون الرائي كافرًا، لا يقلِّل من شأن الرؤيا الصادقة ولا مكانتها، تمامًا كما لا يقلِّل من شأن القرآن ومكانته كفر أو فسوق من يقرؤه.

الثاني: إذا نظرنا إلى وصف الرؤيا الصادقة بأنها جزء من أجزاء النبوَّة على أساس أنها تبشِّر المؤمنين الصالحين بالخير كما كان يفعل الأنبياء مع أقوامهم، وإذا نظرنا إليها باعتبارها كرامة يكرم الله بها أنبياءه وأولياءه، وإذا اعتقدنا أنَّ وصفها بأنها من أجزاء النبوَّة هو بسبب كونها من تركات ومواريث الأنبياء لأقوامهم الصالحين، فحينئذٍ لا يجوز أن تُعدُّ رؤيا الكافر جزءًا من أجزاء النبوَّة.

وقد ذهب ابن حجر (رحمه الله) إلى أنَّ رؤيا الكافر ليست من أجزاء النبوَّة (فتح الباري)؛ ولعلَّه ذهب إلى هذا الرأي تكريمًا، وتشريفًا، وتعظيمًا لمقام النبوَّة أن تكون له أيُّ صلة أو ارتباط بالكفر أو الكُفَّار.

ولعلَّ هذا الرأي أرجح وأحوط من غيره، وهو أنَّ رؤيا الكافر قد توصف بالصادقة، ولكنَّها لا توصف بأنها من أجزاء النبوَّة.

والله أعلم.

انقر هنا للاشتراك فورا في خدمة تفسير الأحلام على الأصول الشرعية الإسلامية

 

فيديو: برومو أول دورة دراسية في تعبير الرؤيا أقيمت في مصر 2013 بجمعية سخاء – جمال حسين عبد الفتاح